ليست كل عبارة نسمعها تستحق أن نتوقف عندها، لكن بعضها يضعنا أمام فلسفة كاملة تستحق التأمل، حتى وإن اختلفنا معها ، سمعت عبارة «ريالك مقدارك» من إحدى الشخصيات المقيمة، وأتبعتها بقولها: إن كنت تملك المال وجدت المكان، وإن كنت ذا أخلاق فلن تجد إلا المتاعب!استوقفتني العبارة، لا لغرابتها، بل لما تختزنه من تصور عن الحياة والإنسان؛ تصور يجعل المال مفتاح القبول، والأخلاق بابًا للمتاعب، وكأن التجارب الإنسانية أقنعت صاحبها بأن حسن الخلق لا يصنع لصاحبه مكانًا، وأن من أراد أن يُحسب له حساب فعليه أن يملك لا أن يكون.
لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده: هل هذه حقيقة الحياة، أم أنها خلاصة تجارب مريرة جعلت صاحبها يرى العالم من زاوية واحدة؟ وهل أصبحنا نعيش في زمن تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يستطيع تقديمه ماديًا، لا بما يحمله من مروءة وأمانة وصدق؟
ربما لا يمكن إدانة هذه النظرة دون فهم جذورها؛ فقد يكون قائلها شاهد أبوابًا تُفتح لأصحاب المال، ومجالس تتسع لأصحاب المصالح، وحقوقًا لا تُسترد إلا بالقوة المادية، بينما رأى أصحاب الأخلاق يُستنزفون باسم الطيبة، ويُحمّلون فوق طاقتهم باسم التسامح، ويُطلب منهم دائمًا أن يتفهموا ويتجاوزوا ويتنازلوا ، وهنا تبدأ المفارقة: حين لا يجد الإنسان من يحترم أخلاقه، قد يبدأ بالتشكيك في جدواها، وحين يرى المصلحة تنتصر مرارًا، قد يظن أنها القانون الوحيد الذي يحكم الحياة.
ولكن هل يعني ذلك أن الأخلاق لم تعد مجدية، أم أننا أسأنا فهم الأخلاق حين جعلناها مرادفًا للتنازل، والطيبة مرادفًا لقبول الإساءة، وحسن الظن مرادفًا لتعطيل العقل؟
إن الأخلاق في مفهومها الصحيح ليست ضعفًا، ولا تعني أن يكون الإنسان مستباح الحقوق، أو أن يتنازل عن كرامته ليحافظ على صورة الإنسان الطيب ، فالمنهج النبوي لم يؤسس إنسانًا سهل الاستغلال، بل أسس إنسانًا يجمع بين الرحمة والقوة، وبين التواضع وعزة النفس، وبين الإحسان وحفظ الحقوق.
وقد قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» رواه مسلم. وهذه القوة ليست قوة المال وحده، بل قوة الإيمان والإرادة والعزيمة، وقوة النفس التي لا تنحني أمام الإغراء، ولا تنفلت أمام الغضب، ولا تسمح للآخرين بأن يتخذوا من أخلاقها منفذًا لاستغلالها ، وفي المنهج النبوي ميزان آخر يعيد ترتيب مقاييس التقدير؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم. وكأن هذا الحديث يعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى، ويحرره من سطوة المظاهر؛ فالمال مما يُملك، أما القيمة فمما يُبنى، والفرق بينهما أن الأول قد يتغير في لحظة، والثاني يظل شاهدًا على صاحبه.
وليس في ذلك انتقاص من المال أو دعوة إلى الزهد في أسباب القوة والاستقلال؛ فالمال نعمة، وامتلاكه قد يحفظ للإنسان قراره ويصون احتياجه، لكن الخلل أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن تصبح زينة الحياة أكبر من أساسياتها، وأن يُمنح صاحب الثروة قدرًا لا يستحقه لمجرد ثرائه، ويُنتقص من صاحب الخلق لأنه لا يملك ما يملكه غيره ، وهنا تتسع الدائرة إلى سؤال اجتماعي أكثر إيلامًا: من الذي صنع هذه المعايير؟ أهو المجتمع حين بالغ في تقدير المظاهر؟ أم المؤسسات حين جعلت النفوذ أحيانًا أسبق من الكفاءة؟ أم الأفراد حين ربطوا علاقاتهم بما تحققه لهم من منافع؟ أم أننا جميعًا شاركنا، بدرجات متفاوتة، في صناعة عالم يطلب من الإنسان أن يثبت قيمته بما يملك، لا بما يقدم؟
ولعل أخطر ما في الأمر ليس أن يعتقد شخص أن المال يفتح الأبواب، فهذا واقع لا يمكن إنكاره في كثير من المواقف، وإنما أن يتحول هذا الاعتقاد إلى قناعة بأن الأبواب لا تستحق أن تُفتح إلا بالمال، وأن الأخلاق لا تستحق أن تُحمل لأنها لا تدر عائدًا سريعًا ، وقد صدق الشاعر حين قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيتْ
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأخلاق ليست زينة إضافية في حياة الإنسان، ولا ترفًا يمكن الاستغناء عنه عند اشتداد المصالح، بل هي الأساس الذي يحفظ العلاقات من التحول إلى صفقات، والمجتمعات من التحول إلى ساحات للمنافسة على المكاسب ، ومع ذلك، لا ينبغي أن نُجمّل الواقع أكثر مما يحتمل؛ فبعض البيئات تكافئ المصلحة العاجلة، وبعض الأشخاص لا يفهمون لغة الإحسان إلا حين تقترن بحدود واضحة، وبعض أصحاب الأخلاق يدفعون أثمانًا باهظة لأنهم لم يتعلموا كيف يحمون حقوقهم. لكن الحل ليس أن نتخلى عن أخلاقنا، بل أن نعيد إليها معناها الصحيح: أخلاق بلا سذاجة، وكرامة بلا تكبر، وطيبة بلا استباحة، وقوة بلا ظلم.
إن الإنسان لا يُلام إذا أراد أن يمتلك المال، لكنه يُسأل حين يجعل المال معيارًا للحكم على الآخرين ، ولا يُلام إذا بحث عن مكان يليق به، لكنه يخسر كثيرًا حين يعتقد أن المكانة تُشترى، وأن الاحترام يُفرض بالمقدرة المادية وحدها.
ريالك قد يحدد مقدار ما تستطيع شراءه، لكنه لا يحدد مقدار ما تستحقه من تقدير.
فلا تجعل تجاربك السيئة تعيد تعريف الفضيلة، ولا تسمح لزينة الحياة أن تطغى على أساسياتها. امتلك المال ولا تجعله يمتلكك، وكن صاحب خلق دون أن تكون مستباحًا، واطلب مكانتك دون أن تبيع مبادئك في الطريق إليها ، فليس كل من وجد المكان وجد القدر، وليس كل من امتلك المال امتلك القيمة، وليس كل من أتعبته الأخلاق كان مخطئًا في حملها؛ فقد يكون الخطأ فيمن لم يعرف كيف يقدّرها.
وفي نهاية المطاف، ليست المعضلة أن يكون للإنسان رصيد في حسابه، بل أن يصبح رصيده هو كل ما في حساب قيمه .