«بعض البدايات لا تكذب… لكنها لا تقول كل الحقيقة.»
في رواية «رسالة من مجهولة» لـ شتيفان زفايغ، تختصر البطلة لوعة التعلق وتغير النفوس بعبارة واحدة: «كنتَ بالنسبة إليّ كل شيء، والآن أموت في اللحظة التي أرى فيها وهج عينيك يبرد تجاهي.»
نحن في الحياة لا نسقط في فخ الآخرين بقدر ما نسقط في فخ “الاستثناء”؛ ذلك الشعور بأن الحياة فتحت لنا باباً خاصاً، وأن الاهتمام المكثف صك أمان للمستقبل. لكن النفس البشرية لا تعيش الوقائع كما تحدث، بل كما تفسرها؛ فنحوّل التكرار إلى أولوية، واللحظة العابرة إلى أبدية. ومن هنا يبدأ الاغترار.
وهذا الاغترار ليس مجرد طيبة قلب أو سذاجة، بل هو رغبة خفية في داخلنا تجعلنا لا نرى الآخر كما هو, بل كما نتمنى أن يكون. نحن نلبسه ثوب “الشريك المثالي” الذي جئنا نبحث عنه ليداوي فراغاتنا القديمة.
والطرف الذي يبدأ بقوة وحماس يكون غالباً في لحظة تدفق وطاقة عاطفية فائضة، فيلتقي الطرفان دون وعي في لعبة ممتعة: أحدهما يستمتع بكونه كريماً ومعطاءً وله أثر ساحر، والآخر يستمتع بأنه أخيراً وجد من يلتفت إليه ويشعره بأنه “المختار”.
الأمر هنا يمس حاجة إنسانية قديمة وعميقة: أن نشعر أن وجودنا ليس عادياً.
أن نصدق أن هناك من يرانا بطريقة مختلفة، وأننا غير قابلين للاستبدال. ولهذا السبب تحديداً، عندما تبدأ حرارة البدايات بالانخفاض، لا نبكي على الشخص الذي ابتعد، بل نبكي على “صورتنا الجميلة” التي انكسرت بسببه.
الصدمة الحقيقية ليست في غيابهم، بل في استيقاظنا المفاجئ على حقيقة أننا كنا عابرين في مكان ظننا أننا ملكناه؛ لنكتشف متأخرين أنّ أن تُمنح الدفء لا يعني أنَّ الشتاء انتهى، وزخة مطر عابرة في الصيف لن تصنع ربيعاً دائما.
ثم تأتي الحياة بتفاصيلها الصغيرة لتزيد الحيرة؛ رسائل تتأخر، ومواعيد تؤجل ببرود.
هذا التذبذب —بين وصل عابر وجفاء طارئ— يجعل العقل يستهلك طاقته كلها في البحث عن أعذار وتفسير الإشارات العابرة، فقط لأننا نرفض أن نصدق أن الحكاية بدأت تذبل. لا تسقط المكانة دفعة واحدة، بل تتسلل الخيبة صمتاً، تماماً كما اختصر بهاء الدين زهير هذا التحول بقوله:
تَغَيَّرتُمْ عَمَّا عهدتُ، وَلَمْ يَكُ … لِيَخْطُرَ لِي أَنَّ الْوِدَادَ تَعُوقُهُ
تَغَيَّرتُـمُ عَن عَهْـدِنا، وَتَبَدَّلَت … قُلوبٌ لَكُـم، فَالقُـرْبُ مِنكُـم عَقِيمُ!
وهنا لا يبدأ الحزن، بل الخجل، الخجل من أننا فتحنا أبواب قلوبنا وتكشفنا أمام من لم يكن مستعداً لرعايتنا؛ الخجل من أننا كتبنا داخل الوعود ما لم يُقال، وأسرفنا في الرهان.
إنه حداد على فكرة، وعلى قصة كتبنا نصفها وحدنا، لنسأل أنفسنا بقسوة: هل كنا نحب الشخص، أم النسخة الاستثنائية التي أصبحناها ونحن نظن أننا لا نُستبدل؟
وهنا يلوح الميزان العاقل في الأثر المنسوب إلى علي بن أبي طالب —رضي الله عنه—: «أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما…».
وهو توجيه يحمي النفس من المبالغة في المشاعر، ويمنحنا تلك المسافة الآمنة التي تقينا صدمة السقوط الحاد عندما تتبدل القلوب.
إن النضج الحقيقي يتطلب منا تصالحاً عميقاً مع قوانين الحياة والعلاقات؛ تلك التي لو تقبلها الإنسان لاستراح كثيراً وبشكل مذهل.
فالعلاقات في جوهرها كائنات حية تتنفس وتتحرك، ولم تُخلق كلها لتبقى وتستمر إلى الأبد بالصيغة ذاتها.
هناك علاقات تدخل حياتنا لتستقر، وأخرى تأتي لتعبر وترحل، وثالثة تتغير ملامحها وتتبدل من شكل إلى آخر، وعلاقات تموت تماماً ولا تعود.
هذا التبدل ليس بالضرورة خديعة، بل هو طبيعة الحياة؛ فأنت نفسك تتغير وتتطور، ومن الطبيعي جداً أن يتبدل من حولك.
إن من يتناغم معك في مرحلة ما، جاء ليؤدي دوراً، ويمنحك رسائل معينة تخص تلك المرحلة من حياتك، ثم يمضي ليفسح الطريق لغيره.
لذا، فالقرب ليس صك ملكية، والاختيار ليس ضماناً للأبد.
وفي النهاية، نحن لا نخرج من بعض العلاقات بقلوب مكسورة، بل بعينين أكثر هدوءاً ونضجاً؛ نعرف أن الآخرين لم يخدعونا، نحن فقط التقينا بهم في أكثر لحظاتهم امتلاءً، وتعلمنا ألا نطلب من البدايات أن تقول ما لم تقله.
ولهذا…
بعض البدايات لا تكذب… لكنها لا تقول كل الحقيقة.