احدث الأخبار

د. علي السعدوني يكتب: هل نُعلِّم الطفل اللغة أم نُعقِّدها؟

التعليقات: 0
د. علي السعدوني يكتب: هل نُعلِّم الطفل اللغة أم نُعقِّدها؟
https://wahhnews.com/?p=104990
د. علي السعدوني يكتب: هل نُعلِّم الطفل اللغة أم نُعقِّدها؟
الواحة نيوز

حين يطالع ولي الأمر أو المعلم نماذج بعض الاختبارات المركزية الموجهة لطلاب الصف الثالث الابتدائي، ثم يجد فيها أسئلة تتعلق باسم الفاعل واسم التفضيل وصيغة التعجب والاستثناء وأنواع الأفعال والترادف والأضداد وكشف المعاني وتحليل التراكيب اللغوية، فإنه يضع سؤال مهم: هل ما زلنا نُعلِّم الطفل اللغة بطريقة تُحببه فيها أم أننا بدأنا نُحمِّله من الأعباء المعرفية ما يجعله ينظر إليها بوصفها مادة معقدة مليئة بالمصطلحات والتقسيمات التي تفوق مرحلته العمرية، والتي تجعله ينشغل بالبحث عن الإجابة الصحيحة أكثر من انشغاله بالاستمتاع بالكلمة وتذوق المعنى وبناء علاقة وجدانية جميلة مع لغته؟

فالطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى أن يقرأ ويستمع ويتحدث ويكتب ويكتسب المفردات الجديدة بصورة طبيعية ومتدرجة، وأن يعيش اللغة من خلال القصة والحوار والنشيد والموقف الحياتي القريب من عالمه الصغير لا أن يجد نفسه أمام قائمة طويلة من المصطلحات النحوية واللغوية التي تحتاج إلى قدر أكبر من النضج الذهني الأمر الذي قد يجعله يشعر بأن اللغة العربية مادة صعبة منذ سنواته الدراسية الأولى، وأن النجاح فيها مرتبط بالحفظ والاستظهار أكثر من ارتباطه بالفهم والتذوق والاستعمال.

ولعل من أكبر الأخطاء التربوية أن نقيس جودة المنهج بعدد المهارات التي يحتويها بينما المقياس الحقيقي يكمن في مقدار ما يستطيع الطالب استيعابه واكتسابه دون مشقة أو نفور، فليست القضية أن نضع اسم الفاعل واسم التفضيل وصيغة التعجب والاستثناء في مرحلة مبكرة، وإنما القضية أن نسأل أنفسنا: هل الطالب في هذا العمر قادر على استيعاب هذه المفاهيم بصورة عميقة ومستقرة؟ وهل ستسهم هذه الكثافة المعرفية في بناء حبه للغة أم ستجعله يتعامل معها بوصفها مجموعة من القواعد الجامدة التي يجب اجتيازها في الاختبار ثم نسيانها بعد ذلك؟

إن المتأمل في واقع الطلاب يلاحظ أن كثيرًا منهم أصبح يحمل رهبة مبكرة من اللغة العربية ليس بسبب جمالها أو ثرائها أو عمقها الحضاري، وإنما بسبب الطريقة التي تُقدَّم بها أحيانًا، وبسبب الإغراق في التفاصيل والمصطلحات قبل ترسيخ المهارات الأساسية، وكأننا نطلب من الطفل أن يحلل اللغة قبل أن يعيشها، وأن يشرح القاعدة قبل أن يتذوق أثرها، وأن يحفظ المصطلح قبل أن يدرك وظيفته في الكلام.

واللغة العربية ليست بحاجة إلى مزيد من التعقيد في أعين أبنائنا، بل بحاجة إلى أن تعود لغة محببة وقريبة من نفوسهم، وأن يشعر الطالب بأنها وسيلة للتعبير والتواصل والإبداع واكتشاف العالم، فتغدو أمامه سلسلة طويلة من الأسئلة الاصطلاحية التي تثقل ذاكرته وتستنزف جهده وتجعله يربط بين العربية والصعوبة منذ خطواته التعليمية الأولى.

ولذلك فإن مراجعة طبيعة المهارات اللغوية المقدمة في الصفوف المبكرة أصبحت ضرورة تربوية؛ لأن الهدف الحقيقي ليس أن نُخرج طفلًا يعرف تعريف اسم الفاعل أو يميز صيغة التعجب في ورقة الاختبار ، وإنما أن نُخرج قارئًا يحب القراءة، ومتحدثًا يعتز بلغته، وكاتبًا يستطيع أن يعبر عن أفكاره بثقة وطلاقة، وعندها ستأتي القواعد والمصطلحات في مراحلها المناسبة بصورة أكثر رسوخًا وأعمق أثرًا وأبقى حضورًا في ذاكرة الطالب.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>