يقف الخطيب منتصباً على المنبر، فيبثّ في كل جمعة عدداً من النصائح على المصلين.
ومنذ التحاق الإنسان بالمدرسة، ثم تخرّجه من الجامعة، وهو يسمع النصائح من المعلمين وأساتذة الجامعات.
وكم سمع من أبيه وأمه من توجيه وتنبيه منذ صغره إلى يومه هذا.
نصائح لا تنقطع؛
في المسجد،
وفي الفصل،
وفي البيت،
وفي الصحف، والكتب، ورسائل التطبيقات، ومحركات البحث.
نسمعها عبر التلفاز، والإذاعة، والمنصات المرئية،
من كاتب، أو مثقف، أو مصلح اجتماعي، أو طبيب نفسي، أو عالم دين، أو تاجر، أو مدرب تنمية ذات، بل وحتى من أصحاب المهن اليومية.
ولو جُمعت هذه النصائح في كتاب، لخرج مجلداً ضخماً ،يحوي توجيهات في شتى شؤون الحياة:
في المال، والصحة، والغذاء، والسفر، والبناء، والادخار، والعلاقات.
كتابٌ كامل… وأثره في الواقع محدود.
فمن بين عشر نصائح، لا يُعمل إلا بواحدة أو اثنتين.
وهنا يبرز السؤال الذي لا نحبّه:
لماذا نسمع كثيراً ، ونطبّق قليلاً ؟
سمعنا عن أضرار التدخين،
وعن مضار المشروبات الغازية،
وعن السهر، والإسراف،
وعن الإدمان على الأجهزة الذكية.
ومع كثرة التحذير، لم تتراجع هذه الظواهر، بل زادت واتسعت،
كأن كثرة الكلام لم تُنتج إلا مزيداً من التبرير.
وفي رمضان، تتكرر النصيحة الأوضح:
أن الصيام ليس امتناعاً عن الطعام فحسب،
بل هو كفٌّ عن سوء الخلق،
وضبطٌ للسان،
وتزكيةٌ للنفس.
نسمعها كل عام،
نقرّ بها،
ثم نغضب لأتفه الأسباب،
وتستمر الخصومات،
وكأن الصيام توقف عند البطون،
ولم يبلغ القلوب.
والحقيقة أن الخلل ليس في قلة النصيحة،
ولا في ضعف البيان،
ولا في غياب القدوة أحياناً ،
بل في غياب المحاسبة الصادقة.
في رضا كل امرئ بما عنده من قناعة،
ولو خالفت الحق أو ناقضت العمل.
ولهذا يختصر المثل الشعبي المشهد بدقة:
كلٌّ بعقله راضٍ… بماله لا.
نطلب المزيد في كل شيء،
إلا مراجعة أنفسنا.
فنكثر من النصائح،
ونقلّ من التغيير.