في حياة الشعوب، ليست كل التواريخ متشابهة. هناك تواريخ تُذكر لأنها وقعت، وأخرى تُستعاد لأنها شكّلت البداية. ويوم التأسيس في المملكة العربية السعودية ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ يمثل لحظة انطلاق مشروع دولة بدأ في عام 1744، واستمر عبر قرون حتى وصل إلى صورته الحديثة اليوم
هذا اليوم لا يُستحضر بوصفه حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتباره نقطة تحول في حياة المجتمع. فقبل قيام الدولة السعودية الأولى، كانت الجزيرة العربية تعيش حالة من التفرق السياسي والتحديات الأمنية وعدم الاستقرار الاقتصادي. ومع تأسيس الدولة بدأت مرحلة جديدة اتسمت بترسيخ الأمن وتنظيم الحياة الاقتصادية وبناء مؤسسات الحكم، وهو تحول انعكس مباشرة على حياة الناس اليومية
تنبع أهمية الاحتفاء بيوم التأسيس من كونه يربط المجتمع بجذوره الأولى، ويعيد تذكير الأجيال بأن الاستقرار الذي نعيشه اليوم لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة رحلة طويلة من البناء والتحديات. فالذاكرة الوطنية عنصر أساسي في تماسك المجتمعات، إذ تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء إلى قصة مشتركة تتجاوز اختلاف المناطق والثقافات المحلية
كما يسهم هذا اليوم في ترسيخ قيمة الاستقرار بوصفها إنجازًا تاريخيًا يستحق التقدير والحفاظ. فحين يدرك المجتمع أن الأمن والتنمية نتاج مسار طويل، يتعزز الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه استمرار هذا المسار وصيانته
وفي عالم تتنافس فيه الدول ثقافيًا إلى جانب تنافسها الاقتصادي والسياسي، يمثل يوم التأسيس فرصة لإبراز الهوية الوطنية وتراثها الثقافي بوصفهما جزءًا من الحاضر، لا مجرد صفحات في كتب التاريخ. وهو ما ينعكس على دعم الحراك الثقافي والسياحي وتعزيز الفخر الوطني
إن يوم التأسيس، في جوهره، ليس استرجاعًا للماضي بقدر ما هو تثبيت لنقطة الانطلاق نحو المستقبل. فالمجتمعات التي تعرف بداياتها جيدًا تكون أكثر قدرة على مواصلة البناء بثقة، وأكثر وعيًا بأن رحلة الوطن لم تنتهِ، بل تستمر مع كل جيل يضيف لبنة جديدة في مسيرته
يسلم لسانك وشكرا
كل عام والجميع بالف خير في يوم التاسيس