عبدالله السلطان يكتب: تجربتي في القطاع غير الربحي.. لماذا لا يكفي أن نكون طيبين؟

التعليقات: 0
عبدالله السلطان يكتب: تجربتي في القطاع غير الربحي.. لماذا لا يكفي أن نكون طيبين؟
https://wahhnews.com/?p=94366
عبدالله السلطان يكتب: تجربتي في القطاع غير الربحي.. لماذا لا يكفي أن نكون طيبين؟
الواحة نيوز

يخطئ من يظن أن التحدي الأكبر في القطاع غير الربحي هو نقص التمويل أو ضعف الدعم المجتمعي. فبعد سنوات من العمل القيادي والتنفيذي والاستشاري، أستطيع القول بثقة إن التحدي الحقيقي يكمن في طريقة التفكير التي ما زالت تحكم جزءاً غير قليل من هذا القطاع، وتُصرّ على إدارة العمل الاجتماعي بعقلية الماضي في زمن التحول.

بدأت رحلتي من رئاسة لجنة التنمية الاجتماعية الأهلية بالمنصورة، وهناك اصطدمت مبكراً بفجوة مؤلمة بين النية والأثر، كثير من المبادرات كانت تُنفذ بدافع الخير، لكنها تفتقر إلى التشخيص، وتُكرر نفسها سنوياً دون أن تغيّر واقع المستفيدين،أدركت حينها أن القرب من المجتمع لا يُعفي من المسؤولية المهنية، وأن العاطفة إن لم تُضبط بالمنهج ستتحول إلى عبء على التنمية.

ثم في مرحلة الأمانة العامة لجمعية المنصورة الخيرية للخدمات الاجتماعية والتنموية، تبيّن لي أن الخلل لا يكمن فقط في البرامج، بل في البنية الإدارية نفسها، مجالس إدارات تُدار بالعرف لا بالنظام، وخطط تُكتب للعرض لا للتنفيذ، ومؤشرات تُقاس بالأنشطة لا بالأثر، وكان السؤال الجريء الذي فرض نفسه: هل نملك الشجاعة لإعادة بناء أنفسنا قبل أن نطلب الثقة والدعم؟

وعندما انتقلت إلى العمل الاستشاري عبر مؤسسة سعد القنبر ، اتضحت الصورة بشكل أوسع، الإشكالات متشابهة في معظم منظمات القطاع غير الربحي : ضعف الحوكمة، غموض الأدوار، مقاومة التغيير، والخوف من فقدان السيطرة، والأخطر من ذلك، الاعتقاد الخاطئ بأن الاحتراف يتعارض مع الرسالة، وأن الحوكمة تهديد للثقة، بينما الحقيقة أنها صمام الأمان لها.

وتعمقت هذه القناعة خلال تجربتي في إدارة وقف الحاج حسين علي القطان، حيث يتجلى الفارق بوضوح بين العمل الخيري العاجل والعمل التنموي المستدام، فالوقف الذي لا يُدار بعقلية استثمارية رشيدة سيتآكل مهما كانت نواياه، ولن يصمد أمام تقلبات الاقتصاد ولا تعقيدات المستقبل، الأوقاف اليوم مطالبة بأن تكون لاعباً تنموياً ذكياً، لا خزينة تُصرف بلا مساءلة.

ومن خلال تقديم الاستشارات لعدد من الجمعيات الأهلية في المنطقة الشرقية، تكرّر المشهد ذاته: مبادرات كثيرة، أثر محدود، تقارير جميلة، تغيير ضعيف، ورغبة صادقة في العمل، يقابلها تردد في اتخاذ القرار الصعب: إيقاف برنامج غير مجدٍ، أو إعادة هيكلة، أو استقطاب كفاءات محترفة حتى وإن كسرت نمط العمل التقليدي.

ورغم قسوة هذه التحديات، فإن هذه التجربة كانت مدرسة قيادية شخصية لا تُقدّر بثمن. فقد تعلّمت:

١-اتخاذ القرار تحت ضغط أخلاقي واجتماعي عالي

٢-إدارة التوازن بين الرسالة والكفاءة دون التفريط في أيٍّ منهما

٣-قراءة الواقع بعيون المستفيد لا بعيون التقارير

٤-بناء الشراكات بدل الاكتفاء بالتمويل

وتقبّل النقد بوصفه أداة تصحيح لا تهديداً للمكانة.

كما أسهمت هذه الرحلة في تشكيل وعيي القيادي، وتعزيز قدرتي على التفكير الاستراتيجي، وفهم عميق لتعقيدات العمل المجتمعي، وهو ما انعكس على جودة القرارات، ووضوح الرؤية، والقدرة على التأثير خارج الإطار الوظيفي الضيق.

إن القطاع غير الربحي في المملكة يقف اليوم عند مفترق طرق. فإما أن يواكب التحول الوطني ويعيد تعريف نفسه كقطاع تنموي مؤثر، أو يظل أسيراً لصورة نمطية لم تعد مقبولة ولا قابلة للاستدامة.

ومع رؤية المملكة 2030، لم يعد مقبولاً أن يُقاس نجاح الجمعيات بعدد السلال أو الفعاليات، بل بقدرتها على تمكين الإنسان، وبناء القيمة المضافة، وقياس الأثر الحقيقي، ومن هذا المنطلق، أضع بين يدي قيادات القطاع وصنّاع القرار خمس توصيات قيادية مباشرة:

١-انتقلوا من إدارة النوايا إلى إدارة الأثر

لا تسألوا: ماذا قدمنا؟ بل اسألوا: ماذا تغيّر بسببنا؟

٢-حوكمة بلا مجاملة

فالحوكمة ليست خياراً تجميلياً، بل شرط بقاء واستدامة.

٣-استثمروا في القيادات قبل البرامج

فالبرامج تتغير، أما القيادات الواعية فهي التي تصنع التحول.

٤-تخلّوا عن البرامج التي لا تُحدث فرقاً

فإيقاف برنامج فاشل قرار شجاع، لا اعتراف بالهزيمة.

٥-ابنوا شراكات لا علاقات موسمية

فمستقبل القطاع في التكامل لا في العمل المنفرد.

إن رؤية المملكة 2030 منحت القطاع غير الربحي فرصة تاريخية للانتقال من الهامش إلى صميم التنمية، لكنها في الوقت ذاته رفعت سقف التوقعات والمساءلة، ومن لا يُحسن استثمار هذه الفرصة، سيتجاوزُه الزمن مهما حسنت نواياه.

وأكتب هذا المقال من موقع التجربة لا التنظير، ومن منطلق المسؤولية لا النقد المجاني، فالخير وحده لا يكفي…

ما لم يُدار بعقلية قيادية، ويُقاس بأثر، ويُستشرف بمستقبل.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>