يُعدّ محمود مختار (1891–1934) أحد أهم أعلام الفن التشكيلي في مصر الحديثة، بل يمكن النظر إليه بوصفه المؤسِّس الحقيقي للنحت المصري المعاصر. لم تقتصر أهميته على الجانب التقني فحسب، بل امتدّت إلى وعيه العميق بالهوية المصرية، وإيمانه بدور الفن في تشكيل الوجدان الجمعي وبناء الوعي الحضاري. استطاع مختار أن يحرّر النحت من القوالب الأكاديمية الجامدة، وأن يعيد ربطه بالروح المصرية الحيّة.
البدايات والتكوين
وُلد محمود مختار في محافظة الدقهلية، ونشأ في بيئة ريفية تركت بصمتها الواضحة على لغته البصرية ورموزه الفنية. التحق بمدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة عند تأسيسها عام 1908، ثم واصل دراسته في باريس بمدرسة الفنون الجميلة (البوزار). هناك اطّلع على التيارات النحتية الأوروبية الحديثة، غير أنه لم يقع في فخ التقليد أو الاستنساخ، بل استثمر ما تعلّمه لصياغة رؤية إبداعية خاصة تنطلق من جذوره المصرية.
تمثال «نهضة مصر»
يُعدّ تمثال «نهضة مصر» (1928) العمل الأيقوني الأبرز في مسيرة مختار، وأحد أهم المنجزات الفنية في التاريخ المصري الحديث. لم يكن التمثال مجرد عمل جمالي، بل بيانًا بصريًا يعكس الانتماء الوطني والطموح الجمعي.
جسّد مختار مصر في هيئة فلاحة تقف شامخة إلى جوار أبي الهول، في تركيب رمزي يجمع بين عمق الحضارة الفرعونية وحيوية الواقع الشعبي المعاصر. تميّز العمل بقوة بنائه، والتوازن الدقيق بين الكتلة والحركة، والاقتصاد في التفاصيل دون التفريط في الشحنة التعبيرية.
الأسلوب والرؤية
تميز أسلوب محمود مختار بالمزج بين الاختزال البنائي المستلهم من النحت الفرعوني، والواقعية التعبيرية المتأثرة بتجاربه الأوروبية. لم يكن مبهورًا بالتقنيات الغربية بحد ذاتها، بقدر ما كان مشغولًا بسؤال جوهري: كيف يمكن للنحت أن يكون مصريًا وحديثًا في آنٍ واحد؟
محمود مختار والريادة
تتجلّى ريادة محمود مختار في كونه:
•أول من منح النحت المصري خطابًا وطنيًا معاصرًا،
•وأول من جعل العمل النحتي أداة فكرية تخاطب المجال العام، لا حبيسة القاعات المغلقة،
•كما مهّد الطريق لأجيال لاحقة من النحاتين، مثل جمال السجيني وآدم حنين وغيرهما.
رحل محمود مختار مبكرًا عن عمر لم يتجاوز 43 عامًا، إلا أن أثره ظلّ ممتدًا، لأنه لم يكن نحاتًا فحسب، بل صاحب مشروع حضاري بصري متكامل. لقد أثبت من خلال أعماله أن الفن ليس ترفًا، بل أداة وعي وبناء، وأن النحت قادر على أن يكون لغة أمة كاملة.
