احدث الأخبار

أمل الحربي تكتب: إلى معلمتي الأستاذة شعاع المجيبل أمير الشرقية يدشّن البرنامج الدعوي “البناء العقدي” لترسيخ الوسطية والاعتدال نائب أمير الشرقية يطلع على أبرز مشاريع ومبادرات أمانة الأحساء خلال 2026 السعودية تتصدر عالميًا في تصدير التمور للعام الرابع على التوالي بمشاركة وكيل المحافظة.. الأحساء الصحي ينفذ حملة للتطعيم ضد الإنفلونزا الموسمية جامعة الملك فيصل تشارك في أسبوع التعليم بمراكز دعم المنشآت أمير الشرقية يستقبل أمين الأحساء ويطلع على منجزات الأمانة ومشاريع تطوير الطرق والنقل الرابط بالداخل.. تقنية الأحساء تفتح التسجيل في مسابقة التمثيل المسرحي «تجمع الأحساء الصحي» يعزز التوعية بسرطان الثدي ويدعو إلى الفحص المبكر «تقنية الأحساء» تعزز الوقاية الصحية بحملة للتطعيم ضد الإنفلونزا الموسمية بالروبوت الجراحي.. نجاح عملية دقيقة لمريض ثلاثيني في مستشفى المواساة بالبصيرة قبل البصر.. طالبان من معهد النور يضيئان احتفالات اليوم الوطني بالأحساء

دفتر قديم وأثر لا يشيخ

أمل الحربي تكتب: إلى معلمتي الأستاذة شعاع المجيبل

التعليقات: 0
أمل الحربي تكتب: إلى معلمتي الأستاذة شعاع المجيبل
https://wahhnews.com/?p=110204
أمل الحربي تكتب: إلى معلمتي الأستاذة شعاع المجيبل
الواحة نيوز

في أعلى خزانة ملابسي يرقد دفترٌ قديم. رقّت أوراقه، وبهت حبره، وانفصل عنه غلافه الزاهي؛ لكنه كلما وقع بين يديّ عاد فتيًّا، ونهضت من بين صفحاته معلمتي الأستاذة شعاع المجيبل، بصوتها وكلماتها وحضورها الذي لم تستطع الأعوام أن تنال منه.

مضت سنوات طويلة منذ تخرّجت في المرحلة الثانوية، ولا يزال ذلك الدفتر واحدًا من أعز ما احتفظت به من أيام الدراسة. كان يضم دروس اللغة العربية يوم كانت تتفرع إلى النحو والصرف، والأدب والنصوص، والإنشاء، والبلاغة والنقد؛ عوالم متعددة كانت معلمة واحدة تحمل مفاتيحها، وتفتح لنا أبوابها واحدًا بعد آخر.

كنت أضع الدفتر في صندوق يضم شهادات شكر وهدايا صغيرة وأشياء بدت لي يومًا ثمينة. وبين حين وآخر أخرجه، أمسح عنه الغبار، وأتفقد أوراقه، وأرمم ما تمزق منها. وإذا انتقلنا من منزل إلى آخر، رفعته إلى أعلى الخزانة؛ أخشى أن تمتد إليه يد طفل عابث، أو أن يسلك طريقه إلى سلة المهملات على يد من لا يعرف أن بعض الأوراق تحمل عمرًا كاملًا.

لا أدري كم يبلغ عمر هذا الدفتر الكهل، غير أنني أعرف عمر الأثر الذي يسكنه؛ إنه بعمر الطالبة التي كنْتُها، وبعمر المرأة التي صرتُها. ففي كل مرة أفتحه، تعود إليّ الثانوية الثالثة بالمبرز، ويعود فصلنا القديم، وتخرج الأستاذة شعاع من بين السطور كما لو أنها لم تغادره قط.

لم تكن حصصها وقتًا عابرًا في جدول المدرسة. كانت كلماتها توقظ فينا شغفًا بالمستقبل، وتجعل النجوم أقرب إلى أيدينا. وفي الأدب، لم تكن تشرح نصًّا ثم تغلق الكتاب؛ بل كانت تفتح لنا نافذة على عصر كامل، فنرى الماضي حيًّا، ونصغي إلى وجع الشعراء وأحلامهم، ونمضي معها بين ممرات التاريخ: منها المعتم والمضيء، والحزين والمبتسم.

ما زلت أذكر صوتها وهي تقرأ قول أحمد شوقي في رثاء عمر المختار:

ركزوا رفاتك في الرمال لواءً

يستنهض الوادي صباح مساء

كان البيت يهزّنا حتى نشعر أن النداء يتجاوز الوادي، ويصل إلينا نحن؛ فيوقظ في نفوسنا معنى العزة والصمود. لم يعد الشعر كلامًا محفوظًا في كتاب، بل صار موقفًا، وصوتًا للكرامة، ويدًا تربت على كتف وطن.

وعندما كانت تشرح قصيدة «سرنديب» لمحمود سامي البارودي، وتقرأ قوله:

كفى بمقامي في سرنديب غربةً

نزعت بها عني ثياب العلائقِ

كنا نشاركه ألم النفي ووحشة الغربة، ثم ننظر إلى أستاذتنا وكأن لسان حالنا يقول: لا، لا يكفي. كانت تأخذنا إلى ما وراء الألفاظ؛ إلى الشعور الخفي الذي يسكنها، حتى نحزن لحزن شاعر لم نره، ونأنس بكلمة كُتبت قبل أعوام بعيدة.

أما النحو، تلك المادة التي كانت تدخل الفصل بشيء من الهيبة، فقد عرفت الأستاذة شعاع طريقًا سريًّا إلى عقولنا. جرّدته من عبوسه، وقرّبت قواعده، وهدمت الحاجز بيننا وبينه. معها لم نعد نخشى الخطأ، بل نحاول ونفهم ونسأل. وكانت تلك الثقة درسًا آخر لم يُكتب في الدفتر، لكنه بقي في نفوسنا.

لم تكن الأستاذة شعاع معلمةً عادية وهي تهبنا كنوز الأدب، وتُسمعنا جدل علماء النحو في البصرة، وتأخذنا إلى الشعراء على ضفاف النيل. كانت عظمتها في إخلاصها وتفانيها وحرصها علينا؛ تمنحنا العلم مصحوبًا بالمحبة، وتجمعنا حول لغتنا ووطننا، وتزرع في كل واحدة منا يقينًا بأنها قادرة على أن تكون أكثر مما تتصور.

كبرتُ بعد ذلك، ومضيت في دروب التعليم حتى أصبحت قائدة تربوية، ثم عدتُ من جديد طالبةً في الدراسات العليا. وبين مقعد القيادة ومقعد الدراسة، أدركت بعمق ما تصنعه المعلمة الحقيقية في حياة طالبتها. قد تنتهي الحصة، ويُغلق الكتاب، وتتفرق الطالبات؛ لكن الكلمة الصادقة تواصل عملها في الخفاء، وتكبر معهن عامًا بعد عام.

واليوم أفهم أن الأستاذة شعاع كانت تمارس القيادة قبل أن أعرف معناها. لم تكن قيادتها كرسيًّا فخمًا، ولا مكتبًا فارهًا، ولا تعليمات تزدحم بها أروقة المدرسة. كانت فكرًا يوقظ العقول، وعلمًا يبدد الخوف، وقيمًا تُرى في الموقف، وقدوةً يمتد أثرها إلى ما بعد الصف بسنوات طويلة. ولعل شيئًا من القائدة التي صرتُها اليوم قد وُلد هناك، في فصل صغير، أمام معلمة عظيمة لم تكن تدري إلى أي مدى ستسافر كلماتها.

لقد تعلمت مع الزمن أن قيمة ما يملكه الإنسان لا يحددها ثمنه المادي. فقد يكون كنزه دفترًا هرمًا، أو عبارةً كُتبت على عجل، أو صوت معلمة بقي عالقًا في الذاكرة. أشياء تبدو بسيطة في أعين الآخرين، لكنها تحمل في أعماقنا حياة كاملة؛ ولهذا ظل دفتري القديم عزيزًا عليّ، لأنه لم يحفظ الدروس وحدها، بل حفظ المعلمة التي أشعلت فينا حب اللغة.

أستاذتي شعاع، ما زالت ذاكرتي تحتفظ لك بالكثير: يوم كنا نبحث عن كلمة ترشدنا، وقلب يطمئننا، ويد تشد على أيدينا. كنتِ تلك الكلمة، وذلك القلب، وتلك اليد. شكرًا لأنك جعلتِ للأدب نبضًا، وللنحو طريقًا، وللمستقبل أفقًا نراه ونؤمن أننا قادرون على بلوغه.

لقد هرم الدفتر يا أستاذتي، أما أثركِ فما زال شابًّا في روحي.

 

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>