تُعد معاهدة العقير التي وُقعت في 26 ديسمبر 1915م من أبرز المعاهدات السياسية في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديثة، إذ أسهمت في ترسيخ مكانة الدولة السعودية بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، كما ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بميناء العقير التاريخي في الأحساء الذي كان يمثل البوابة البحرية الرئيسة للمنطقة الشرقية ومركزاً مهماً للتواصل التجاري والثقافي مع العالم الخارجي.
يقع ميناء العقير على ساحل الخليج العربي شرق الأحساء، ويُعد من أقدم الموانئ في الجزيرة العربية، وقد اكتسب أهميته التاريخية من موقعه الاستراتيجي الذي جعله محطة للتجارة والسفر والحج ومعبراً للسلع والأفراد بين الأحساء ومختلف مناطق الخليج العربي، كما يمثل العقير جزءاً مهماً من التراث الثقافي للأحساء حيث يعكس تاريخ المنطقة التجاري والإداري ودورها الحضاري عبر القرون.
عندما وصل السير برسي كوكس، المعتمد البريطاني في الخليج العربي إلى المنطقة في أواخر شهر ديسمبر عام 1915م جرت مباحثات مع الملك عبدالعزيز آل سعود انتهت بتوقيع معاهدة العقير، وقد نصت المعاهدة على اعتراف الحكومة البريطانية بسيادة الملك عبدالعزيز على نجد والأحساء والقطيف والجبيل وتوابعها، وإقراره حاكماً مستقلاً عليها، كما تضمنت بنوداً تتعلق بحماية هذه الأراضي من الاعتداءات الخارجية، وتنظيم العلاقات السياسية مع الدول الأخرى والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
وتبرز أهمية المعاهدة في تعزيز العلاقات الخارجية للدولة السعودية الناشئة آنذاك حيث مثل الاعتراف البريطاني خطوة مهمة نحو تثبيت مكانة الدولة على المستوى الدولي، كما ساعدت المعاهدة في تنظيم العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية، وأكدت أهمية المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الخليج العربي.
أما على المستوى الداخلي فقد أسهمت المعاهدة في دعم وحدة المناطق الخاضعة لحكم الملك عبدالعزيز، وتعزيز سلطته السياسية والإدارية، الأمر الذي ساعد على توطيد الأمن والاستقرار وتسهيل حركة التجارة والتنقل بين مناطق الدولة، كما نصت المعاهدة على ضمان حرية مرور الحجاج وحمايتهم أثناء توجههم إلى الأماكن المقدسة وهو ما يعكس اهتمام الدولة بخدمة الحجاج والمحافظة على أمن طرق الحج.
ومن الجوانب المهمة المرتبطة بميناء العقير تنظيم السفر والتنقل عبره خلال الفترة ما بين عامي 1331هـ و1340هـ، حيث كان المسافر في البداية يكتفي بتوضيح هويته وسبب سفره، ثم تطورت الإجراءات في عهد الملك عبدالعزيز لتشمل الحصول على وثيقة سفر، وإحضار شهادة حسن سيرة وسلوك موقعة من أشخاص معروفين إضافة إلى وجود كفيل يضمن المسافر، وبعد ذلك استُبدلت هذه الوثائق بجواز سفر مطبوع عُرف باسم “الورقة الخضراء”، والذي احتوى على بيانات المسافر باللغتين العربية والإنجليزية، مما يعكس تطور الإدارة والتنظيم في الدولة السعودية آنذاك.
وتُظهر هذه الإجراءات الدور الحيوي الذي لعبه ميناء العقير في إدارة حركة السفر والتواصل مع الخارج، مما أسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الأحساء ومحيطها الإقليمي كما تؤكد مكانة العقير كأحد الشواهد التاريخية المهمة التي تعكس مراحل بناء الدولة السعودية الحديثة.
تمثل معاهدة العقير محطة تاريخية مهمة في مسيرة توحيد المملكة العربية السعودية، إذ ساهمت في تثبيت مكانة الدولة داخلياً وخارجياً، بينما ظل ميناء العقير رمزاً من رموز التراث الثقافي في الأحساء وشاهداً على الدور الحضاري والاقتصادي الذي لعبته المنطقة في تاريخ المملكة.