قرأتُ قصة متداولة عن مارك زوكربيرغ عندما كان طالبًا في جامعة هارفارد. يُقال إنه دعا خمسة من أصدقائه إلى غرفته في السكن الجامعي ليعرض عليهم فكرة إنشاء موقع جديد للتواصل والتعارف (فيسبوك). من الخمسة، حضر اثنان فقط، وآمنا بالفكرة ووافقا على مساعدته. وبعد عدة أعوام، أصبح كلاهما من أصحاب المليارات؛ الأول هو داستن موسكوفيتز، والثاني إدواردو سافيرين.
أغلب الناس سيستخلصون من هذه القصة دروسا حول اغتنام الفرص، أو الاستثمار في الأفكار والمشاريع الناشئة، أو حتى عن الثراء وارتباطه باختيار الأشخاص المناسبين. أما أنا فأريد أن نبتعد معا عن بريق النتائج وما تثيره من قراءات اقتصادية و ريادية، إلى البدايات؛ ليس بوصفها مرحلة زمنية، بل كلحظة كشف تتجلى فيها معاني إنسانية وقيادية عميقة.
إن أكثر ما لفتني في هذه القصة الملهمة هو بعدها الاجتماعي، وعلى وجه الخصوص: كيف ينمو الإنسان وتتطور الفكرة معاً من خلال رحلة دعم متبادل. فالقصة بالنسبة لي لم تكن قصة “عبقري” فقط بقدر ما كانت تجسيدا لعلاقة حية بين صاحب فكرة وأشخاص آمنوا بها. إنها في جوهرها عن مهارة القدرة على قراءة المستقبل في ولادة فكرة صغيرة قبل أن تتحول إلى إنجازات ملموسة، وتقدير قيمة الآخر قبل أن تتجلى إمكاناته للجميع. نعم، فالفرص العظيمة قد تأتي أحيانًا في أبسط الصور. ولذلك لا يمكن التعامل مع كل دعوة أو فكرة أو حديث على أنها أحداث عابرة؛ فما يبدو اليوم طرحا بسيطا، قد يصبح غدًا مشروعًا يغيّر الواقع أو يصنع تاريخًا خالدا. أما الدعم الحقيقي فلا يتجلى فقط بعد ظهور النتائج وإعلان النجاح، بل أثناء الرحلة وفي فجرالبدايات. فلا يستوي من آمن بك حين كنت مجرد احتمال، وكان حاضرًا قبل اكتمال المشهد، وتحمل معك الغموض والمخاطرة، ومن انضم إليك بعد أن أثبتت التجربة نجاحها.
ولعل القيمة الأعمق في هذه القراءة هي ما تفتحه من مساحات جديدة للتفكير، وما تثيره من أسئلة:
- ما الذي يجعل بعضنا قادرا على تمييز الأشخاص والأفكار قبل أن يميزهم العالم؟
- ماذا لو نقلنا مركز اهتمامنا من النجاح إلى ما قبل النجاح؟
- كيف نحمي هذا الإيمان المشترك في البدايات، من أن يتحول إلى صراع حسابات ضيقة عند تحقق النجاح؟
أخيرًا، الناس ليسوا سواسية في قدرتهم على استشعار قيمة الأشياء في بدايتها؛ فالكثير منا يحتاج إلى الدليل المادي أولًا ليقتنع، بينما يملك القليل تلك القدرة على قراءة الإمكانات والاحتمالات التي يمكن أن توسعها فكرة واعدة. من هذا المنظور، أجد أن من يؤمن بالفكرة قبل أن تتضح معالم نجاحها ليس مجرد شخص متفائل، بل هو شخص شجاع؛ لأنه راهن على ما لم يصبح واقعًا بعد. أما المؤمن بالإنسان أشجع؛ فالفكرة قد تكون جيدة أو سيئة، بينما من يراهن على إنسان لم تكشف الأيام بعد عن كامل طاقاته وإمكاناته، فهذا مؤشر على درجة أعلى من الثقة والبصيرة. فالعبرة ليست فقط في غرفة هارفرد ولا في المليارات التي جاءت في نهاية القصة، بل في الأفكار و الأشخاص الذين شهدوا بدايتها.
و سواءً كنت اليوم في غرفة صغيرة، أو قاعة فصل، أو معمل، أو مقهى.. انظر جيدًا حولك؛ فهذه القصة تدعوك إلى أن تغيّر مقعدك من مراقبٍ عابر أو شاهدٍ على قصة نجاح ، إلى أحد أبطالها المحتملين؛ كصاحب فكرة أو رؤية استشرافية ملهمة، أو الداعم المخلص الذي يؤمن بها ويساهم في خلق “البيئة الآمنة” التي تحولها من مجرد احتمال غامض إلى واقعٍ حيّ يغير العالم.
د.هاجر خليفه السلطان
جامعة الملك فيصل