«الطاقية الحساوية».. هوية متجددة تُحاك بخيوط الكروشيه

التعليقات: 0
«الطاقية الحساوية».. هوية متجددة تُحاك بخيوط الكروشيه
https://wahhnews.com/?p=96516
«الطاقية الحساوية».. هوية متجددة تُحاك بخيوط الكروشيه
الواحة نيوز

في الأحساء، واحة الراحة والرخاء، حيث يتنفس النخيل تاريخًا وتنبض الجدران بفنّ الأجداد، لا يُعدّ التراث مجرد ماضٍ يُروى، بل حالة ارتباطٍ حيّة بين الإنسان وأرضه. هنا، حيث الحرفة هي «اللغة الأم»، تتولّد الأفكار التي تصل الماضي بالمستقبل وتعيد قراءة الهوية بروحٍ معاصرة.

ثقافة الرخاء في كل غرزة… تأكيد الانتماء

من هذا العمق الثقافي، تبرز تجربة أمل شاكر العليو، خبيرة اقتصادية وباحثة ومهتمة بالحرف اليدوية، تسعى إلى بعث الحياة في المنسوجات الحساوية وتحويل تفاصيل التراث المادي إلى قطعٍ فنية تُرتدى وتُعاش. تجربة تجمع بين التحليل العلمي والحسّ الإبداعي، لتؤكد أن الإبداع يمكن أن يكون جسرًا بين الاقتصاد والثقافة، وبين التخطيط والهوية. فلم تمنعها لغة الأرقام والدراسات من الغوص في عوالم الخيط والسنارة، بل جعلت من الحرفة مساحة تطبيقية تُترجم فيها المعرفة إلى ممارسة حيّة.

هي دعوة لتأمل المنسوجات الحساوية بمنظور جديد؛ منظور يرى في «الطاقية» رمزًا للهوية المتجددة وقطعةً تحمل في تفاصيلها روح الأرض وذاكرة الإنسان.

تجديد الروح في المنسوجات الرجالية

بينما عُرفت المنطقة تاريخيًا بصناعة البشوت الفاخرة، يتجه هذا العمل إلى تسليط الضوء على الطاقية الرجالية برؤية غير مسبوقة. لم تعد الطاقية مجرد غطاء للرأس، بل أصبحت مساحةً للتدوين الثقافي، يُترجم من خلالها التراث إلى «باترون» كروشيه مُستحدث يمزج بين التقنية اليدوية والرمزية البصرية للواحة.

من «النقوش» إلى «الخيط».. ترجمة جمالية ناعمة

يكمن جوهر الابتكار في استلهام النقوش الجصية التي زيّنت البيوت والقصور التاريخية، لتُعاد صياغتها اليوم في غُرزٍ متقنة تنبض فوق النسيج. وقد استُلهمت هذه النقوش بعناية من رموز البيئة الأحسائية؛ من النخلة بدلالات العطاء والرسوخ، وتكوينات السعف التي تعبّر عن الامتداد والظل، إلى «البيذانة» بوصفها مفردة تراثية تعكس علاقة الإنسان بالماء والأرض. وهكذا تحولت العناصر الطبيعية إلى لغة بصرية تُحاكي المكان، حيث انتقلت جماليات البيئة والعمارة من صمت الحجر إلى حيوية الخيط، لتصبح الطاقية قطعةً تحمل ذاكرة المكان وتؤكد أن التراث جزءٌ حيّ من تفاصيل الحياة اليومية.

الحرفة… ملاذ الإنسان واستمرارية الأصل

تنطلق هذه التجربة من قناعةٍ بأن الحرفة ليست نشاطًا جانبيًا، بل عنصرٌ من عناصر التوازن الإنساني والتنمية الثقافية. فالحرفة – كما تراها أمل – مهارة يحتاجها الإنسان مهما بلغ من مراتب علمية أو اقتصادية؛ لأنها تمنحه لحظات تأمل وسكينة، وتُبقيه متصلًا بجذوره. كما تؤكد أن للحرفيين مكانةً خاصة في قلبها؛ فهم حَمَلة الذاكرة الحيّة وصُنّاع الجمال الصامت، وبهم يستمر وهج التراث وتبقى روح المكان نابضةً بالعطاء.

الحرفة هنا ليست مجرد إنتاج، بل ممارسة للانتماء وامتداد لذاكرة مجتمع عُرف بمهارة اليد وصدق الصنعة، وتجربة ثقافية واجتماعية تُعيد ربط الفرد بجذوره، وتُبرز قيمة العمل اليدوي كجزء من جودة الحياة والاعتزاز بالمكان.

ويُذكر أن هذا المصنّف الفني التطبيقي مسجّل رسميًا لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية، في خطوة تؤكد أهمية حفظ الحقوق الإبداعية وصون الهوية الفكرية للمنتج الوطني، وتعكس وعيًا بأهمية توثيق الابتكار التراثي ضمن الأطر النظامية المعاصرة.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>