شاركتُ في مناسبة اجتماعية ،وحينما دعا صاحب المناسبة الحضور بالتفضل على مأدبة الطعام كانت بنظام البوفيه المفتوح ،وتقدم الجمع نحو البوفيه بذراعيه المبسوطتين بين المقبلات والحلويات بأنواعها ،فتقدمتْ مجموعة من المدعوين نحو البدء من اتجاه الحلويات متجهة نحو الأطباق الرئيسية ومنتهية بالمقبلات ،والفئة القليلة حاولت البدء من المقبلات باتجاه الأطباق الرئيسية منتهية بالحلويات ،إلا أنها شاهدتْ الكثرة قادمة إليها من الاتجاه المعاكس فغيرت وجهتها وذهبت إلى الاصطفاف في المسار العام المعاكس للاتجاه الصحيح في البوفيه المفتوح وحافظت على ماء وجهها وقلة عددها والقبول بالأمر الواقع وعدم الخروج عن الجماعة ومسايرتها.
فما سبق هو واحد من صُور متكررة ومواقف مُتعددة لمجموعة من الأنشطة والفعاليات والأحداث الاجتماعية التي تُمثل ظاهرة سيكلوجية يتبع فيها الأفراد سُلوك ومُعتقد وطريقة الغالبية من الناس دون تفكير نقدي أو تقييم شخصي أو مراجعة فاحصة ،يدفعهم في ذلك الخوف من الانعزال والرغبة في الانتماء ،والبُعد عن الفردية حتى لو تعارضت مع المنطق الشخصي السليم والرصين والهادف ،ويتسم هذا الأداء على المستوى الاجتماعي بالتقليد الأعمى ،وعلى الصعيد النفسي بالشعور بالدونية ،وعلى عمل العقل بغياب التفكير النقدي وإعطاء الأولية للرأي الجمعي على حساب الحكم الشخصي.
قد يتصور الفردُ أن التمسك بالسلوك الفردي أمرا عاديا ومُمكنا ،ولكن الأمر أصعب مما نتصور ،فالعالم البريطاني هاملتون صاغ نظريته الاجتماعية بما يُعرف “ثقافة القطيع” من خلال التصور أن تقليل خطر الافتراس الاجتماعي على الفرد يكمن في حال وضع فرد آخر بينه وبين المفترس ،ولأن الخطر أقل عند المركز وأكبر عند الحافة فإن الأفراد سوف يميلون إلى المركز ويدفعون بالتابعين إلى الحافة من أجل الابتعاد عن الخطر مهما كان نوعه.
لقد حاول علماء الاجتماع تفسير ظاهرة الجُنوح العقلي الجمعي اتجاه قضية معينة وفك أسرار خصائص هذا النوع من العقول في نمطية التفكير ووحدة السلوك والتصرف ،ووصفوا هذا العقل الجمعي بأنه مجموعة من الأفكار والقيم سلبية كانت أو إيجابية ،والتي يتبناها ويُؤمن بها أكثر من شخص ويجعلهم يُفكرون عند اجتماعهم بأسلوب مُخالف لتفكيرهم عند الانفراد فيتعطل التفكير الفردي ،ويتشكل رأيا أو فكرة تنتقل بانسيابية إلى عُقول مجموعة من الناس وهم لا يشعرون.
فعكس الاتجاه في التعامل مع البوفيه المفتوح لم يكن غريبا وإنما هو منهج جمعي اعتاد الناس عليه في الغاء العقل الفردي أمام قوة السُلوك الجمعي الذي يشعر فيه بالحرج الشديد بين الخروج عن المألوف السائد حتى لو كان سلبيا أمام الانفراد وخطر العزلة ،فالكثير من الناس يتحمل الأعباء المالية والشكلية والنفسية والجهد والتعب مقابل رضا العقل الجمعي عنه دون الانفراد بما يتوافق مع الراحة النفسية ومناسبة الإمكانيات والحاجة إليها والقناعة بها ،فالكثرةُ التي يعتبرها الناس مصدرا توكيديا في الاقتداء والاحتذاء مُجتمعيا لا تتوافق مع التوجيه القرآني في اعتبار الأكثرية حُجة عليهم في الفعل من عدمه : “وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَعلَمُونَ” ،”وَأَكثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ”، “وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ” ،”وَأَكثَرُهُمُ الكَافِرُونَ” ،”وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ” ،”وَأَكثَرُهُم كَاذِبُونَ” ،”وَمَا يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلاَّ ظَنّاً “،”وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَشكُرُونَ” ،”وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشرِكُونَ “.
سيدنا الجليل. التأمل في سلوك الإنسان يجلب الحيرة والتسائل. كيف لهذا الكائن رغم ما يملكه من قدرات ووعي وهي صفات فردية أن لا يأنس حتى لمعطيات تفكيره وقناعته تجاه الآخرين. حيث تأخذه ريح المجاميع بغض النظر عن صحة اتجاهلها. كيف وهو القادر على فهم وتحليل ما حوله وعمق تجربته ينقاد دون وعي ليكون نسخة من غيره. عجبي!!!!!!.
سلام العلي
شكرا أبا محمد
لو وقفت على الشخص الأول الذي خالف السير وتأملت في السبب الذي دعاه الى المخالفة ستجدها تنحصر في غياب الأدب.
نحن مقصرون كثيرا في تعليم الأدب.
تصرف الملايين لبناء المساجد الكبيرة ولكن تبقى أحذية المصلين مبعثرة ومتراكمة على بعضها خارجة عن سياق الأدب والنظام والنظافة.
في أنشطتنا يحضر كل شيء الا الأدب.
وحين يسقط الأدب تتحول المساجد الى مجالس والصلاة الى لهو.
التعليق
جميل ماكتبت 👍
في وصية امير المؤمنين الى كميل بن زياد الناس ثلاثة: عالمٌ رباني، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق.
يقول أينشتاين: «إذا سِرْتَ معَ القَطِيع سَتَصِلُ إِلَى حَيْثُ يَقُودُكَ القَطِيعُ.. وَإِذَا سِرْتَ وَحْدَكَ سَتَذْهَبُ إِلَى أَبْعَدِ مَدَى تُرِيدُهُ أنْتَ».
لم تكن الكثرة أبداً مقياساً للصواب، ولم تكن الجماهير الغفيرة دليلاً للطريق القويم دائماً، ولذا نجد أن القرآن الكريم يذم اتباع الكثرة في مواضع كثيرة، منها: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (الأنعام: 116)،
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) (الصافات: 71)،
وقوله سبحانه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (الزخرف: 78).
وعلى الجانب الآخر امتدح القرآن القلة الواعية
فيقول جل شأنه: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)،
ويقول تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ {13} وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) (الواقعة)،
ويقول سبحانه: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ) (البقرة: 83)،
ويقول تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) (البقرة: 246)،
ويقول جل وعلا: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: 83)،
ويمتدح القلة الواعية بقوله تعالى: (وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود: 40).
تحياتي
جميل ماكتبت 👍
في وصية امير المؤمنين الى كميل بن زياد الناس ثلاثة: عالمٌ رباني، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق.
يقول أينشتاين: «إذا سِرْتَ معَ القَطِيع سَتَصِلُ إِلَى حَيْثُ يَقُودُكَ القَطِيعُ.. وَإِذَا سِرْتَ وَحْدَكَ سَتَذْهَبُ إِلَى أَبْعَدِ مَدَى تُرِيدُهُ أنْتَ».
لم تكن الكثرة أبداً مقياساً للصواب، ولم تكن الجماهير الغفيرة دليلاً للطريق القويم دائماً، ولذا نجد أن القرآن الكريم يذم اتباع الكثرة في مواضع كثيرة، منها: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (الأنعام: 116)،
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) (الصافات: 71)،
وقوله سبحانه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (الزخرف: 78).
وعلى الجانب الآخر امتدح القرآن القلة الواعية
فيقول جل شأنه: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)،
ويقول تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ {13} وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) (الواقعة)،
ويقول سبحانه: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ) (البقرة: 83)،
ويقول تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) (البقرة: 246)،
ويقول جل وعلا: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: 83)،
ويمتدح القلة الواعية بقوله تعالى: (وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود: 40).
تحياتي
شكراً عزيزي بومحمد على تعرية ثقافة القطيع والتوجه لاحترام ثقافة الفردانية وهي قاعدة ينطلق منها المبدعين والمصلحين والمخترعين تحياتي
التعليق
سلام العلي
شكرا ابا محمد
لو وقفت على الشخص الأول الذي خالف السير وتأملت في السبب الذي دعاه الى المخالفة ستجدها تنحصر في غياب الأدب.
نحن مقصرون كثيرا في تعليم الأدب.
تصرف الملايين لبناء المساجد الكبيرة ولكن تبقى أحذية المصلين مبعثرة ومتراكمة على بعضها خارجة عن سياق الأدب والنظام والنظافة.
في أنشطتنا يحضر كل شيء الا الأدب.
وحين يسقط الأدب تتحول المساجد الى مجالس والصلاة الى لهو.
مقالة بكرية ؛ تدعو للتفكر والتأمل لما تفشى في المجتمعات العربية الإسلامية من ضعف وضياع وتشتت وسطحية!!
شكراً أخي الكاتب والتربوي أ.بكر العبدالمحسن.
وفقك الله.
🏝🥀ذوالكنيتين/ابن عويّد_عفا الله عنه.