د. جواهر الروقي تكتب: لا تصاحب نسخةً منك

التعليقات: 0
د. جواهر الروقي تكتب: لا تصاحب نسخةً منك
https://wahhnews.com/?p=110921
د. جواهر الروقي تكتب: لا تصاحب نسخةً منك
الواحة نيوز

ربما أخطأنا طويلًا حين ظننا أن أفضل العلاقات هي تلك التي تجمعنا بمن يشبهوننا؛ في الأفكار، والطباع، وطريقة النظر إلى الحياة، حتى أصبح التشابه عند بعضنا شرطًا للطمأنينة، والاختلاف سببًا كافيًا للابتعاد ، نرتاح لمن يفهمنا من أول جملة، يوافقنا في معظم آرائنا، يضحك لما نضحك له، ويغضب مما يغضبنا، وكأن العلاقة الناجحة هي أن نجد في الطرف الآخر نسخةً أكثر لطفًا من أنفسنا ، لكن ماذا لو كانت أجمل العلاقات ليست تلك التي تعكسنا، بل تلك التي تكشف لنا ما لم نكن نراه؟

لا تصاحب نسخةً منك؛ لأنك لن تتعلم منها إلا ما تعرفه، ولن ترى معها إلا العالم من الزاوية التي اعتدت الوقوف عندها. صاحب من يختلف عنك دون أن يهدمك، ومن يملك زاوية أخرى للحياة دون أن يحاول انتزاع زاويتك، ومن إذا ناقشك لم يكن هدفه أن ينتصر عليك، بل أن يفتح في عقلك نافذة جديدة ، فالاختلاف حين تحكمه الأخلاق ليس تهديدًا للعلاقة، بل أحد أسباب نضجها.

وهنا يبدو المنهج النبوي في بناء العلاقات أكثر عمقًا مما نتعامل معه أحيانًا؛ فلم يكن النبي ﷺ يتعامل مع الناس باعتبارهم قالبًا واحدًا، بل كان يعرف اختلاف طبائعهم وقدراتهم وحاجاتهم، فيخاطب كل إنسان بما يناسبه، ويعطي كل موقف ما يحتاجه من حكمة ، لم يكن المطلوب أن يصبح الناس نسخة واحدة، وإنما أن تجتمع اختلافاتهم تحت مظلة الأخلاق والرحمة وحسن التعامل.

ولذلك فإن الصداقة التي لا تحتمل الاختلاف سرعان ما تتحول إلى اختبار دائم للولاء: هل توافقني؟ هل تشبهني؟ هل تفكر كما أفكر؟ أما الصداقة الناضجة فتسأل سؤالًا آخر: ماذا أتعلم منك؟ وماذا أضيف إليك؟ وهنا يصبح الاختلاف مساحة للنمو لا سببًا للخصام، ويصبح وجود شخص مختلف عنا في حياتنا أشبه بمرآة لا تكتفي بأن تعكس وجوهنا، بل تكشف لنا الزوايا التي لا نراها في أنفسنا.

وما يحدث في العلاقات يحدث داخل الأسرة بصورة أعمق؛ فالآباء أحيانًا لا يربّون أبناءهم بقدر ما يحاولون إعادة إنتاج أنفسهم فيهم ، يريد الأب أن يرى في ابنه ما كان عليه، وتريد الأم أن تسير ابنتها في الطريق الذي تراه صحيحًا، ثم نتعجب عندما يختلف الأبناء ، بينما التربية النبوية لا تقوم على إلغاء الفروق الفردية، وإنما على توجيه الإنسان بحسب قدرته ومرحلة نموه ومقامه، ولذلك جاء في الحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فالمسؤولية ليست أن نصنع من تحت أيدينا نسخًا منا، وإنما أن نحسن رعايتهم حتى يبلغ كل واحد منهم أفضل ما يستطيع أن يكونه.

ومن البيت نصل إلى العمل، حيث يصبح اختلاف الشخصيات أكثر وضوحًا، وربما أكثر تكلفة حين لا يفهمه المدير. فليس كل موظف يحتاج إلى الطريقة نفسها في التوجيه، ولا كل قائد ينجح بأسلوب واحد، ولا كل فريق يتشكل من أشخاص متشابهين ، هناك من يزدهر حين تمنحه مساحة، وآخر يحتاج إلى توجيه واضح، وثالث يبدع حين يُشرك في القرار، ورابع يحتاج إلى ثقة تمنحه الأمان ليظهر قدرته ، وهنا لا تكون الإدارة الحقيقية في أن تجعل الموظفين يشبهون المدير، وإنما في أن يعرف المدير كيف يقود المختلفين دون أن يفقدهم اختلافهم.

ولهذا فإن بعض المشكلات التي نظنها مشكلات أداء قد تكون في حقيقتها مشكلات فهم؛ مدير يظن أن الموظف قليل الحماس لأنه هادئ، أو يراه ضعيفًا لأنه لا يتحدث بالطريقة نفسها التي يتحدث بها، أو يفسر الاختلاف في الأسلوب على أنه نقص في الكفاءة ، وفي المقابل قد يشعر الموظف أن عليه أن يرتدي شخصية لا تشبهه حتى يثبت أنه مناسب للمكان. وهنا تخسر المؤسسة شيئًا ثمينًا: التنوع الذي كان يمكن أن يصنع فكرة أفضل، وقرارًا أوسع، وفريقًا أكثر قدرة على رؤية المشهد من أكثر من زاوية.

والمنهج النبوي في التعامل مع الإنسان يعلّمنا قبل الإدارة شيئًا أعمق: أن نفهم الإنسان قبل أن نحكم عليه ، أن نرى اختلافه دون أن نحوله إلى عيب، وأن نربيه دون أن نلغيه، وأن نصحح دون أن نكسر، وأن نوجّه دون أن نختصر الإنسان كله في خطأ واحد.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في علاقاتنا اليوم ألا نبحث عن الأشخاص الذين يوافقوننا دائمًا، بل عن أولئك الذين يجعلوننا أفضل دون أن يجعلونا أقلّ من أنفسنا ، فالصديق الحقيقي ليس من يصفق لكل أفكارك، والمدير الناجح ليس من يحيط نفسه بمن يشبهه، والمربي الواعي ليس من يربي أبناءه على صورته؛ وإنما من يعرف أن لكل إنسان طريقته في النضج، وأن مهمتنا ليست أن نصنع من الآخرين نسخًا منا، بل أن نساعدهم على اكتشاف أجمل نسخة من أنفسهم.

لذلك، حين تختار من تصاحب، ومن تعمل معه، ومن تربي، ومن تقود، لا تسأل فقط: كم يشبهني؟
اسأل سؤالًا أعمق: ماذا يمكن أن يضيف اختلافه إلى إنسانيتي؟
فبعض الناس يدخلون حياتنا ليشبهونا، وبعضهم يدخلونها ليعلّمونا كيف نرى الحياة بعيونٍ لم نملكها من قبل.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>