في كل عام، يعود الوطن إلينا في يومه الوطني، كأن التاريخ يفتح نافذة على ذاكرته، ثم يسألنا سؤالًا لا تقوله الاحتفالات بصوت واضح:
ماذا فعلنا بما ورثناه؟
فالوطن ليس أرضًا نولد فوقها فحسب، ولا تاريخًا نحتفل بمروره، ولا ذاكرة نضعها في إطار ثم نعود إليها كل عام.
الوطن، في معناه الأعمق، مسؤولية تتوارثها الأجيال.
جيل يضع حجرًا، وجيل يحميه، وجيل يضيف إليه، وجيل يأتي ليكتشف أن ما ورثه ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها.
لهذا لا أرى الوطنية في قدرتنا على ترديد اسم الوطن، بقدر ما أراها في قدرتنا على أن نسأل: كيف نتركه؟
فالأوطان لا تُقاس فقط بما وصلت إليه، وإنما بما تهيئه لمن سيأتي بعدها.
وهنا تصبح الأسرة أكثر من بيت.
إنها الذاكرة الأولى للوطن.
فيها يتعلم الطفل معنى المكان، قبل أن يعرف معنى الجغرافيا؛ ويتعلم معنى الانتماء قبل أن يعرف معنى الحدود؛ ويتعلم أن الوطن ليس شيئًا بعيدًا عن حياته، بل هو البيت الذي يتسع تدريجيًا حتى يصبح مجتمعًا وذاكرة ومستقبلًا.
ولذلك فإن حماية الوطن لا تبدأ دائمًا من الأسئلة الكبرى.
قد تبدأ من أبٍ يعلّم أبناءه المسؤولية، وأمٍّ تزرع فيهم معنى العطاء، ومدرسة تمنح المعرفة لا الحفظ وحده، ومثقف يسائل واقعه بدل أن يكتفي بوصفه، وباحث يحوّل السؤال إلى معرفة، ومواطن يرى في العمل العام جزءًا من انتمائه.
الوطن الذي نريده لأبنائنا لن تصنعه الأمنيات وحدها.
سيصنعه مقدار ما نمنحهم من علم، وما نتركه لهم من مؤسسات، وما نغرسه فيهم من قيم، وما ننجزه اليوم ونحن نعرف أن المستقبل لن يكون لنا وحدنا.
ولعل أجمل معنى للوطنية أن نحب الوطن لا لأنه مكتمل، بل لأننا نشعر أن لنا مسؤولية في اكتماله.
أن نرى التحولات فلا نخاف منها، وأن نحفظ ما يستحق أن يبقى، ونراجع ما يحتاج إلى مراجعة، ونضيف ما يحتاج إليه المستقبل.
فالوطن الحي ليس وطنًا ثابتًا في الزمن؛ إنه وطن يعرف كيف يحفظ ذاكرته وهو يمضي إلى الأمام.
وفي يوم الوطن، ربما لا نحتاج إلى أن نسأل فقط:
ماذا قدم لنا الوطن؟
بل أن نضيف إلى السؤال سؤالًا أكثر صعوبة:
ماذا سنترك نحن للوطن؟
فبين السؤالين تتحدد قيمة الانتماء.
أن نكون جيلًا لم يكتفِ بأن يرث وطنًا، بل حاول أن يتركه أكثر معرفة، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.
ذلك، في ظني، هو الاحتفال الذي لا ينتهي بانتهاء اليوم الوطني.
وكل عام ووطننا يمضي إلى المستقبل… دون أن يفقد ذاكرته.