في قصة ذي القرنين، لم يكن التحدي في بناء السد، بل في كيفية بنائه. ورغم قدرته، لم يتعامل مع المهمة كمسؤولية فردية، بل قال: “فأعينوني بقوة”. في هذه العبارة القصيرة، تتجلى واحدة من أعمق ممارسات القيادة؛ حيث تتحول الآية من “نص” إلى أداة وعي. فالقصة لم تكن عن إنجاز المهمة، بل عن إعادة تعريفها: من جهد فردي إلى قوة مشتركة، ومن مسؤولية قائد إلى نتيجة ملموسة تصنعها الجماعة.
فالإنسان بطبيعته يعود للفردية، يميل للسيطرة، ويظن أنه يستطيع أن ينجز وحده… ثم تأتي الجمعة، ومع كل قراءة لقصة ذو القرنين، يُعاد ضبط فهمنا واحتياجنا لتأمل تلك الآية كخريطة تساعدنا في فهم دورنا.
في واقعنا، “فأعينوني بقوة” يمكن أن تُقرأ كمبدأ قيادي. أولًا: لم يكن طلب ذي القرنين مجرد استعانة، بل إعادة تعريف للموقف بالكامل.
ثانيًا: لا تشير كلمة “بقوة” إلى نوع واحد، بل تفتح المجال لمختلف أشكال القوة: المعرفية، والتنظيمية، والمهارية. وكأن الرسالة الضمنية أن ما ننجزه معًا لا تحدّه قدرة واحدة، بل يتسع لكل ما نحمله من إمكانات حين نحسن توجيهها.
أخيرًا: لا يُختزل العمل الجماعي في توزيع الأدوار، بل في تفعيل الإمكانات. فالكفاءة لا تُبنى بما نملكه فقط، بل بما نفعّله معًا. كما أن إعادة توجيه القوة داخل الفريق لا تعتمد على تعزيز المهارات الفردية فحسب، بل على جودة التفاعل بينها؛ بحيث يتحول هذا التفاعل إلى مساحة اتساع، يضيف فيها كل فرد طبقة جديدة من الفهم، ويصبح اختلاف الخلفيات مصدرًا لتحسين جودة القرار والمخرجات.
وهنا لا تعود فاعلية الفرد داخل الفريق تُقاس بسؤال: ماذا أنجزت؟ بل بأسئلة أعمق:
* ما القيمة التي أضفتها للفريق؟
* هل ساهمت في تشكيل طريقة التفكير أو تسهيل الفهم؟
* هل ساعدت في توجيه المسارات؟
* هل حسّنت من أداء الآخرين، وكان لك تأثير ملموس؟
* هل تعكس لغتك روحًا تعاونية؟
في كل جمعة، تعيدنا هذه الآية إلى معنى أصيل للتعاون والتكامل، وكأنها تعيد لنا توازننا بهدوء، وتذكّرنا: لنعيد التفكير… نحن لسنا وحدنا. فالقوة ليست فقط فيما نفعله وحدنا، بل فيما نفعله مع الآخرين…
وربما لهذا نقرأها كل جمعة… لأننا ننسى، ونحتاج أن نتذكر لنقوى.
د.هاجر خليفه السلطان
جامعة الملك فيصل
جميل جدًا، والأسئلة التي طرحتها في النهاية مهمة جدًا، وربما أصعب ما فيها أنها تتطلب وعيًا ذاتيًا عاليًا. لأنها تنقل الفرد من قياس نفسه بالإنتاج إلى قياس نفسه بالأثر وهذا معيار أدق، لكنه أيضًا أكثر تحديًا.
درس في القيادة 👍🏼
بورك قلمك د.هاجر مبدعة كعادتك
احسنت الاختيار فعلاً معنى الاية عميق نمر عليها مل جمعة وفي كل ختمة للقرآن بدون استشعار معناها بهذا العمق
شكراً دكتورتنا الجميلة على هذة اللفتة العميقة🤍
احسنتى النشر دكتورة هاجر
طرح عميق يذكرنا بأن القيادة الحقيقية لا تقوم على الجهد الفردي، بل على وعي القائد بكيفية جمع الطاقات وتفعيلها لصناعة أثرٍ يتجاوز حدود الفرد إلى قوة الجماعة
شكرا روعة الاقتباس وصنع الأثر دكتورة هاجر