ليست كل صورة تتصدر نشرات الأخبار انعكاسًا لحقيقة المشهد، وليست كل واقعة تتضخم في الفضاء الإعلامي دليلًا على اتساع أثرها في الواقع. فثمة مسافة شاسعة بين الحدث في حدوده الفعلية، والحدث كما تعيد بعض المؤسسات الإعلامية تشكيله في وعي المتلقي؛ وهي المسافة التي تتحول فيها الصحافة، أحيانًا، من أداة لنقل الحقيقة إلى وسيلة لصناعة الانطباعات وتوجيه الإدراك العام.
وفي هذا السياق، تبدو بعض التغطيات الإعلامية العربية والغربية للاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية مثالًا يستحق القراءة النقدية؛ إذ يجري أحيانًا تقديم الواقعة المحدودة جغرافيًا ضمن سردية بصرية ولغوية توحي بأن البلاد بأكملها تعيش حالة استثنائية، وكأن حادثة تقع في نطاق معين كافية لاختزال دولة مترامية الأطراف في مشهد واحد من القلق والاضطراب.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالسعودية ليست مدينة صغيرة يمكن أن تختزل جغرافيتها في موقع، ولا كيانًا هشًا تتوقف مؤسساته عند وقوع اعتداء. إنها دولة بحجم قارة في امتدادها الجغرافي، وبثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي يجعل من الخطأ المهني والمنهجي التعامل مع أي حدث أمني بوصفه توصيفًا شاملًا لأحوالها الداخلية.
إن الحياة اليومية في المملكة، بما تضمه من مدن ومناطق ومراكز اقتصادية ومؤسسات حيوية، لا يمكن اختزالها في مشهد عابر، مهما بلغت أهميته الإخبارية. فالاعتداء يستحق التغطية، والخطر يستوجب التفسير، لكن الأمانة المهنية تقتضي وضع الوقائع في سياقاتها الصحيحة، والتمييز بين حجم الحدث وحجم الدولة، وبين نطاق التأثير الفعلي والانطباع الذي تصنعه العناوين والصور.
ولعل أخطر ما في هذا النمط من المعالجة الإعلامية أنه لا يعتمد بالضرورة على اختلاق الوقائع، بل على إعادة ترتيبها وانتقائها وتضخيم بعض عناصرها وإقصاء ما يحيط بها من حقائق. فقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، لكن طريقة تقديمها تنتج تصورًا مضللًا عن المشهد العام. وهنا لا تصبح المشكلة في الخبر وحده، بل في البنية السردية التي تمنحه معنى يتجاوز حقيقته.
وفي أدبيات الإعلام والاتصال، تبرز نظرية التأطير الإعلامي بوصفها مدخلًا لفهم هذه الظاهرة؛ فوسائل الإعلام لا تخبر الجمهور بما جرى فحسب، وإنما تؤثر كذلك في الكيفية التي يفهم بها الجمهور ما جرى، من خلال اختيار الزاوية، وترتيب الأولويات، وانتقاء المفردات والصور.
وعندما تتكرر مشاهد الاعتداءات وتتصدر العناوين دون تقديم صورة متوازنة عن استمرارية الحياة واستقرار المؤسسات، فإن المتلقي البعيد عن الواقع السعودي قد ينتهي إلى تصور ذهني لا يعكس بالضرورة حقيقة الأوضاع على الأرض.
وهنا يتحول التهويل من مبالغة تحريرية إلى إشكالية معرفية؛ لأنه لا يكتفي بتضخيم الحدث، بل يعيد تشكيل صورة الدولة في المخيال العام.
وليس المطلوب من الإعلام تجاهل الاعتداءات أو التقليل من خطورتها، كما أن قوة الدولة لا تعني تحصينها من الأخطار أو نفي وقوع الحوادث على أراضيها. إنما المطلوب هو احترام الفارق بين التغطية المهنية والتضخيم، وبين توصيف التهديد والإيحاء بانهيار الاستقرار، وبين نقل واقعة محددة وتعميمها على بلد كامل.
فالدول الكبرى لا تُقاس قوتها بغياب التحديات، وإنما بقدرتها على مواجهتها، واستمرارية مؤسساتها، وصلابة بنيتها الاقتصادية والأمنية، وقدرتها على حماية مسارها التنموي من الارتباك أمام المتغيرات.
والسعودية، بما تمتلكه من عمق استراتيجي ومؤسسات دولة راسخة ومكانة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة الدوليين، لا يمكن قراءة واقعها من نافذة حادثة واحدة، ولا اختزال صورتها الوطنية في نشرات عاجلة تتنافس على الإثارة.
وإذا كان من المشروع مساءلة الأداء الإعلامي في أوقات الأزمات، فإن من الضروري أيضًا التمييز بين التغطية التي تقع في فخ الإثارة، والتغطية التي تتعمد صناعة صورة سلبية؛ فإثبات القصد يحتاج إلى شواهد تتجاوز مجرد المبالغة. غير أن النتيجة في الحالتين قد تكون واحدة: اتساع الفجوة بين الواقع كما هو، والواقع كما يتخيله الجمهور.
إن المعركة الإعلامية الأعمق ليست دائمًا حول ما حدث، بل حول المعنى الذي سيستقر في أذهان الناس بعد حدوثه.
ومن هنا تتجاوز مسؤولية الصحافة مجرد صحة المعلومة إلى عدالة السياق ودقة التمثيل.
فليس كل اعتداء أزمة دولة، وليس كل عنوان صاخب انعكاسًا لحقيقة وطن، وليست كثافة التغطية دليلًا على اتساع الخطر.
وفي المحصلة، تبقى المملكة العربية السعودية أكبر من الصور المجتزأة، وأرسخ من الانطباعات العابرة، وأوسع من أن تختزلها جغرافيا حادثة أو مبالغة عنوان.
فالدول الراسخة تُقرأ في استمرارية مؤسساتها، لا في استثنائية حوادثها؛ وتُقاس بحقائق قوتها، لا بضجيج السرديات التي تُنسج حولها.