سعود العايش يكتب: حين يعتلي الصدى منصة الصوت

الزيارات: 112
التعليقات: 0
سعود العايش يكتب: حين يعتلي الصدى منصة الصوت
سعود العايش يكتب: حين يعتلي الصدى منصة الصوت
الواحة نيوز

في الماضي ..
كانت الكلمة تعبر أبواب العلم والخبرة والمسؤولية قبل أن تصل إلى الناس .

أما اليوم ..
فقد أصبح الوصول إلى العقول لا يحتاج أكثر من شاشةٍ مضيئة وقدرةٍ على جذب الانتباه.

وليست المشكلة في اتساع مساحة التعبير، بل في اختلاط مراتب المعرفة ، حتى غدا الرأي يُقدَّم أحيانًا بديلاً عن التخصص ، والانتشار منافسًا للدليل ، والثقة في الطرح مقدمةً على عمق العلم .

فليس كل متحدثٍ خبيرًا
ولا كل مشهورٍ مرجعًا
ولا كل واسع الانتشار جديرًا بالتصديق

وتبلغ الخطورة ذروتها حين تتحول بعض المنابر الإعلامية من حارسةٍ للمعرفة إلى صانعةٍ للشهرة .
… تمنح غير المؤهل شرعية الظهور ، فيظن المتلقي أن المنصة شهادة كفاءة ، بينما هي قد تكون مجرد نافذة حضور .

إن أخطر ما يواجه الوعي ليس الجهل ، بل أن يرتدي الجهل ثوب المعرفة ، وأن يتقدم غير المختص على صاحب الاختصاص ، فتختل موازين الثقة ، ويضيع صوت الخبرة وسط ضجيج الآراء .

فالإعلام الحقيقي لا يصنع المشاهدة ، بل يصنع الوعي ، ولا يقاس بعدد المتابعين، وإنما بما يتركه في عقول الناس من بصيرةٍ ومسؤولية .

ختاماً …

إن بناء الوعي لا يبدأ من كثرة الأصوات .

بل :
“جودة ما يُقال ، ولا تنهض المجتمعات بمن يتحدث أكثر ، وإنما بمن يعلم أكثر”

فالكلمة مسؤولية .
والمنبر أمانة .
والإعلام شريك في تشكيل العقول قبل أن يكون صانعًا للمشاهدة.

وحين يُقدَّم المختص على المشهور، والدليل على الانطباع ، والحقيقة على الإثارة ، تستعيد المجتمعات بوصلتها، ويعود للعلم مقامه ، وللإعلام رسالته ، وللثقة معناها الحقيقي .

أما إذا أصبح الصدى أعلى من الصوت، والانتشار أقوى من البرهان ، فلن تكون الخسارة في معلومةٍ عابرة ، بل في وعي أمةٍ كاملةٍ أعادت ترتيب سلّم الثقة على غير أساس .

“الحق لا يغيب لأنه ضعيف ”

وإنما :
يضيع وسط ضجيجٍ منح المنابر لمن لا يستحقها ، حتى” أصبح الصدى يُسمع أكثر من الحقيقة”
.. مع أن الحقيقة كانت ولا تزال أبقى صوتًا .. وإن اخفوها .

لذلك، فإن مسؤولية الإعلام لا تقف عند إتاحة المنصة .

بل :
تبدأ من اختيار من يستحق الوقوف عليها.

فحين يعتلي الحقيقةَ أهلُها يطمئن الوعي . وحين يعتلي المنصةَ صداها يختلط الحق بالضجيج ، وتبدأ المجتمعات في فقدان قدرتها على التمييز دون أن تشعر .

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>