أسماء الشمراني تكتب: متى ترد شهادة القريب في المحاكم؟

الزيارات: 219
التعليقات: 18
 أسماء الشمراني تكتب: متى ترد شهادة القريب في المحاكم؟
 أسماء الشمراني تكتب: متى ترد شهادة القريب في المحاكم؟
الواحة نيوز

لطالما كانت الشهادة في موروثنا الشعبي والاجتماعي موقفًا يختبر معادن الرجال، وميزانًا تترجح فيه كفة الحق، ولكن ماذا يحدث حينما يقف المرء أمام المحكمة شاهدًا لقريب أو خصم لنسيب؟ فهل تسبق صلة الرحم واجب البيان، أم أن للنظام مسطرة أخرى تقيس بها صدق الأقوال؟.

ففي ظل النهضة الحقوقية التي تعيشها المملكة العربية السعودية، لم يترك نظام الإثبات هذه التساؤلات لتقديرات العاطفة، إنما وضع حدًا فاصلًا يحمي الشاهد من الحرج ويصون القضاء من مظنة المحاباة، وعليه تفرض علينا الضرورة الاجتماعية فهم هذه القواعد لمعرفة متى تكون شهادتنا مقبولة شرعًا ونظامًا، وكيف يعفينا النظام من الحرج حمايةً لروابطنا الأسرية، وفيما يلي من سطور نبحر في تفاصيل الباب الخامس من نظام الإثبات، لنكتشف كيف وازن المنظم السعودي بين قدسية الحقيقة ومتانة الروابط العائلية والأسرية.

لقد أرسى نظام الإثبات قاعدة عامة مفادها أن الأصل هو جواز الإثبات بشهادة الشهود ما لم يرد نص يقضي بغير ذلك، ومع ذلك حدد النظام بوضوح الحالات التي تُردّ فيها شهادة القريب، ليس تشكيكًا في نزاهته، إنما صونًا للعدالة من مظنة المحاباة، حيث نصت المادة الحادية والسبعون من النظام على عدم قبول شهادة الأصل للفرع (كشهادة الوالدين للأبناء)، أو الفرع للأصل (كشهادة الأبناء للوالدين)، كما لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر حتى بعد وقوع الفرقة بينهما، وكذلك لا تقبل شهادة الولي أو الوصي لمن هم تحت ولايتهم، وبشكل عام ترفض المحكمة شهادة أي شخص يسعى من خلالها لجلب نفع لنفسه أو دفع ضرر عنها.

تحريًا واستظهارًا للعدالة والأمانة، أوجب النظام على الشاهد قبل الأداء بشهادته (أي قبل أن ينطق بحرف واحد) الإفصاح عن أي علاقة تربطه بأطراف الدعوى أو أي مصلحة قد تعود عليه منها، كما وضع النظام معيارًا للأهلية، فاشترط أن يكون الشاهد قد أكمل الخامسة عشرة من عمره وسليمًا في إدراكه، أما من لم يبلغ هذا السن فللمحكمة سماع أقواله على سبيل الاستئناس فقط، دون أن تُبنى عليها الأحكام.

وعلى كفة الميزان الأخرى، قدر النظام خصوصية العلاقات العائلية في التعاملات المالية، فبينما يشترط النظام الكتابة في التصرفات التي تزيد قيمتها على مائة ألف ريال، ولا يقبل الشهادة لإثباتها أو نفيها كأصل عام، إلا أنه استثنى الحالات التي وُجد فيها مانع أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي، وتعد الروابط الزوجية وصلة القرابة والمصاهرة حتى الدرجة الرابعة من هذه الموانع التي تسمح للقاضي بسماع الشهادة استثناءً.

وفي نهاية المطاف، تظل المحكمة هي الحارس اليقظ والميزان الأدق للوصول إلى الحقيقة، إذ يمنحها نظام الإثبات الحق الكامل والسلطة التقديرية في تقدير عدالة وأمانة الشاهد بناءً على معايير واقعية ومنطقية تشمل سلوكه وتصرفاته والظروف المحيطة بالدعوى، دون أن تتقيد بضرورة وجود تزكية (مزكٍ يؤكد عدالة وأمانة الشاهد) كما كان متبعًا سابقًا، ومما لا شك فيه أن دور المحكمة يتجاوز تلقي الأقوال إلى فحصها وتمحيصها، فهي التي تملك السلطة التقديرية في قبول الشهادة التي تطمئن إليها، أو طرح ما تراه مشوبًا بالغموض أو غير منسجم مع منطق الوقائع، وقصد المنظم من وراء هذا التمكين القضائي وضع صمام أمان يضمن عدم المساس بالحقوق.

ومؤكدًا أن القضاء سيظل دائمًا الملاذ الأخير لإنفاذ الحق، مع توجيه رسالة بأن الشهادة أمانة عظمى، والعبث بها بتقديم معلومات مضللة يضع صاحبها تحت طائلة المساءلة الجنائية بتهمة “شهادة الزور”، لتبقى العدالة هي الغاية الأسمى فوق كل اعتبار، تأكيدًا لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق/2)، وما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: (ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع) أخرجه عدي وصححه الحاكم.

التعليقات (١٨) اضف تعليق

  1. ١٨
    زائر

    بارك الله في مجهودك

  2. ١٧
    زائر

    ماشاءالله كلام مفيد وجميل

  3. ١٦
    زائر

    مشاء الله بارك الله فيك

  4. ١٥
    زائر

    وفقك الله

  5. ١٤
    زائر

    مقال رائع بوركت اناملك

  6. ١٣
    زائر

    مقال جمييل

  7. ١٢
    أمل العتيبي

    مقالة جميلة نشكر مجهودك الرائع

  8. ١١
    ام فهد

    التعليق

  9. ١٠
    زائر

    ماشاء الله مقالة جميله نفع الله بكم 👍

  10. ٩
    زائر

    الموضوع واضح ومهم ، وطريقة الطرح مرتبة وسهلة، والأسلوب جميل خاصة الربط بين القانون والمجتمع، ككاتب/كاتبة: واضح عندها وعي قانوني + قدرة صياغة
    نفع الله بعلمك وزادك رفعة.

  11. ٨
    زائر

    المقال واضح ومهم ، وطريقة الطرح مرتبة وسهلة، والأسلوب جميل خاصة الربط بين القانون والمجتمع، ككاتبة: واضح عندها وعي قانوني + قدرة صياغة
    نفع الله بعلمك وزادك رفعة.

  12. ٧
    زائر

    المقال يطرح موضوعًا مهمًا وحساسًا يمس واقع الكثير من القضايا، ونجح في تبسيط فكرة قانونية قد تبدو معقدة لغير المختصين. أوضحت الكاتبة كيف سعى نظام الإثبات في المملكة إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على روابط الأسرة وضمان نزاهة العدالة، خصوصًا في مسألة شهادة الأقارب التي قد تكون محل شبهة محاباة. عرض المواد النظامية جاء واضحًا، مع إبراز دور المحكمة في تقدير مصداقية الشاهد وفق الظروف والملابسات، وهو ما يعكس مرونة النظام وعدم اعتماده على قواعد جامدة فقط. المقال يذكرنا بأن الشهادة ليست مجرد إجراء شكلي، بل أمانة شرعية وقانونية، وأن الصدق فيها أساس لحماية الحقوق وترسيخ الثقة بالقضاء. طرح موفق يساهم في رفع الوعي القانوني لدى المجتمع بطريقة مبسطة وواضحة.

  13. ٦
    نوره

    جميل نفع الله بك

  14. ٣
    زائر

    ماشاءالله الله مقالة جميلة ومثرية، جهود مشكورة.

  15. ٢
    زائر

    ماشاءالله مقالة جميلة ومثرية، جهود مشكورة.

  16. ١
    زائر

    نفع الله بكم وبعلمكم

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>