قد يبدو السؤال غريباً وربما يراه البعض غير منطقي لكن تمهّل قليلاً.
هل أعمارنا التي نكتبها في الهوية وفي شهادات الميلاد هي الأعمار التي عشناها فعلاً ؟
نعم من الناحية الحسابية لا خلاف.
السنة ما زالت اثني عشر شهراً واليوم أربعاً وعشرين ساعة والعمر يُحسب كما كان يُحسب قبل مئة عام.
لكنني لا أتحدث عن الحساب بل عن الحياة.
أشعر أننا مظلومون.
أعمارنا على الورق حقيقية أما في الواقع فليست كذلك.
اسأل من عاش قبل أربعين أو خمسين سنة كيف كانت السنة تمر. كان الشتاء شتاءً طويلاً والصيف صيفاً طويلاً والإجازة تكاد لا تنتهي والانتظار جزءًا من الحياة. حتى الأطفال كانوا يشعرون أن العيد بعيد.
بل حتى رمضان… كان يطول انتظارنا له حتى إذا أقبل شعرنا أننا عشنا شهراً كاملاً بكل تفاصيله.
أما اليوم… فكل شيء يجري.
ما إن نستقبل عاماً جديداً حتى نفاجأ بمنتصفه ثم نهايته. الشهور تتساقط كأوراق التقويم والأيام لا تمشي بل تركض ركضاً وكأن الزمن دخل سباقاً لا يريد أن ينتظر أحداً.
لهذا أشعر أحياناً أن من عاش أربعين سنة قبل نصف قرن عاش من الحياة أكثر مما يعيشه ابن الأربعين اليوم.
وليس هذا فحسب…
حتى ملامح العمر تغيّرت.
انظر إلى صور آبائنا وأجدادنا. كان الأربعيني يبدو أربعينياً بكل تفاصيله في وجهه، وتجاعيده وهيبته. والستيني كان يظهر عليه الشيب وتجاعيد السنين وكأن العمر ترك توقيعه على ملامحه.
أما اليوم فكثير من أبناء الأربعين يُظنون في الثلاثين وكثير من أبناء الستين لا تبدو عليهم الستون كما كانت تبدو على من سبقهم.
تغيّرت الملامح… وتسارع الزمن… وتبدلت الحياة.
ولذلك لا أكاد أقتنع أن أربعين سنة اليوم تعادل أربعين سنة الأمس.
قد تكون متساوية في الحساب لكنها ليست متساوية في الإحساس ولا في مقدار ما عشناه منها.
ولهذا يبقى السؤال الذي يؤرقني :
هل أعمارنا حقيقية فعلاً ؟
أم أننا نعدّ السنين… بينما العمر الحقيقي يفرّ منا أسرع مما نظن؟.



هل الأعمار صحيحة ام لا
صحيح هل اعماونا حقيقية ام لا
لقد تحول العالم من حولنا إلى شاشة سينمائية تعرض المشاهد بسرعة خاطفة ومتلاحقة، تجعل الجسد مستقرًا في بقعة جغرافية واحدة، بينما يركض الوجدان لاهثًا خلف سيلٍ لا ينقطع من التحديثات والمتغيرات الرقمية والمعرفية. هذا التدفق المتسارع لا يختزل الوقت بقدر ما يبدد الإحساس به، فلا يمنح الروح فرصة لتتأمل اللحظة أو تقيم فيها، فتتوارى الأيام وكأنها لم تُعش أصلًا.
ولعل هذا ما يجعلنا ننهي يومنا بالتساؤل ذاته: كيف مضى بهذه السرعة؟ ليس لأن الزمن تغير، بل لأننا أصبحنا نعيش في اليوم الواحد من الأحداث والصور والمعلومات ما كانت أجيال سابقة تعيشه في أيام وربما أسابيع. فامتلأت الذاكرة بالكم، وخفّ أثر الكيف، حتى غدا مرور الوقت شعورًا هلاميًا أكثر منه تجربة تُترك بصمتها في الوجدان.
لعل الزمن لا يركض، لكننا نحن من أصبحنا نلهث خلف عالم لا يمنحنا فرصة لأن نسير معه بهدوء
#عبير_السماعيل